ابن الأثير

704

أسد الغابة ( دار الفكر )

أدوى [ ( 1 ) ] من البخل ، بل سيدكم الجعد الأبيض عمرو بن الجموح . فقال شاعر الأنصار في ذلك [ ( 2 ) ] : وقال رسول اللَّه والحقّ قوله * لمن قال منّا من تسمّون سيّدا ؟ فقالوا له : جدّ بن قيس على الّتي * نبخّله فيها وإن كان أسودا فتى ما تخطّى خطوة لدنيّة * ولا مدّ في يوم إلى سوأة يدا فسوّد عمرو بن الجموح لجوده * وحقّ لعمرو بالنّدى أن يسوّدا إذ جاءه السّؤّال أذهب ما له * وقال : خذوه ، إنه عائد غدا وروى معمر وابن إسحاق ، عن الزهري : أن النبي صلى اللَّه عليه وسلم قال : بل سيدكم بشر بن البراء بن معرور . وقد ذكرناه في بشر . أنبأنا عبيد اللَّه بن أحمد بن علي بإسناده عن يونس بن بكير ، عن ابن إسحاق قال : وكان عمرو بن الجموح سيدا من سادة بنى سلمة ، وشريفا من أشرافهم ، وكان قد اتخذ في داره صنما من خشب يقال له « مناة [ ( 3 ) ] » يعظمه ويطهّره ، فلما أسلم فتيان بنى سلمة : أبّنه معاذ بن عمرو ، ومعاذ بن جبل في فتيان منهم ، كانوا ممن شهد العقبة ، فكانوا يدخلون الليل على صنم عمرو فيحملونه فيطرحونه في بعض حفر بنى سلمة ، وفيها عذر [ ( 4 ) ] الناس منكسا على رأسه ، فإذا أصبح عمرو قال : ويلكم ! من عدا على آلهتنا هذه الليلة ؟ ثم يغدو فيلتمسه ، فإذا وجده غسله وطيّبه ، ثم يقول : واللَّه لو أعلم من يصنع بك هذا لأخزينّه ، فإذا أمسى ونام عمرو عدوا عليه ففعلوا به ذلك ، فيغدو فيجده ، فيغسله ويطيبه . فلما ألحوا عليه استخرجه فغسّله وطيّبه . ثم جاء بسيفه فعلقه عليه ، ثم قال : إني واللَّه لا أعلم من يصنع بك ذلك ، فإن كان فيك خير فامتنع ، هذا السيف معك ! فلما أمسى عدوا عليه ، وأخذوا السيف من عنقه ، ثم أخذوا كلبا ميتا فقرنوه بحبل ، ثم ألقوه في بئر من آبار بنى سلمة فيها عذر الناس . وغدا عمرو فلم يجده ، فخرج يبتغيه حتى وجده مقرونا بكلب ، فلما رآه أبصر رشده ، وكلمه من أسلم من قومه ، فأسلم وحسن إسلامه .

--> [ ( 1 ) ] أي : أي عيب أقبح من البخل ؟ والصواب أن يقال : « أدوأ » بالهمز . ولكن هكذا يروى . [ ( 2 ) ] الأبيات في الاستيعاب : 3 / 1169 . [ ( 3 ) ] في المطبوعة : « مناف » ، وهو خطأ ، والمثبت عن سيرة ابن هشام ، ويقول السهيليّ في الروض الأنف 1 / 279 : « وذكر - يعنى ابن إسحاق - صنمه الّذي كان يعبده ، واسمه « مناه » ، وزنه فعله ، من منيت الدم وغيره إذا صببته ، لأن الدماء كانت تمنى عنده تقربا إليه » . [ ( 4 ) ] العذر : واحدها عذرة ، وهي ما يخرج من الحيوان والإنسان .